0:00
/

حين استوطنني البعيد..

فثمّة غائبون... ما برحوا يسكنوننا.

الشوق…

ليس الشوقُ ضعفًا كما يظنّ العابرون، بل هو هيبةُ المحبة إذا غاب أصحابها، وامتدادُ الروح إلى ما عجزت الأقدار أن تُبقيه قريبًا. هو اللغة التي لا ينطق بها اللسان، لكن تفضحها النظرات، ويترجمها الصمت، وتحفظها الذاكرة كما يُحفظ العطر في آخر الزجاجة.

إنّ للشوق سلطانًا لا يُقاوَم؛ فإذا استقرّ في القلب اتّسعت به المسافات، وضاقت به الدنيا، وأصبح المرء يرى الغائب في كل شيء؛ في نبرة صوت، وفي رائحة مطر، وفي طريقٍ كان يجمع الخطى، وفي مساءٍ يشبه مساءاتٍ انقضت ولم ينقضِ أثرها.

والشوق ليس حنينًا إلى الأشخاص وحدهم، بل إلى الأزمنة التي كانوا فيها جزءًا من أرواحنا. نشتاق إلى الضحكة التي كانت تُبدّد العتمة، وإلى الطمأنينة التي كانت تسكن القلب دون استئذان، وإلى أنفسنا كما كنّا قبل أن يمرّ الغياب علينا ويعلّمنا أن بعض الفقد لا يُعوَّض.

وما أقسى الشوق حين يكون اللقاء مستحيلًا، فلا يملك القلب إلا أن يُحادث الذكريات، ويُرمّم ما هدمه الغياب بالأماني. عندها يصبح الزمن طويلًا، والساعات ثقيلة، ويغدو الانتظار عبادةً لا ثواب لها إلا بقايا الأمل.

ومع ذلك، فإن الشوق ليس لعنةً كما يظنه المتعبون؛ إنه البرهان الوحيد على أن في القلب حياة، وأن الأرواح العظيمة لا ترحل كاملة، بل تترك فينا أثرًا يُقيم مقامها، فلا يمحوه الزمن، ولا تُطفئه الأيام.

عسى أجمل ما في الشوق أنه

لا يطلب المستحيل، بل يكتفي بأن يبقى شاهدًا على صدق الودّ. فهو لا يُعيد الغائب، لكنه يحفظ مكانه، ولا يُرجع الأمس، لكنه يمنحه خلودًا في الذاكرة.

فليس كل من غاب انتهى، ولا كل من ابتعد نُسي؛ فهناك أرواحٌ إذا سكنت القلب، أقامت فيه وإن فرّقت بينها وبيننا الأرض والسنون.

ولعلّ الحكمة كلّها أن نتعلّم كيف نحمل الشوق دون أن يحملنا، وكيف نصادق الذكرى دون أن نسجن أعمارنا فيها. فليس كل ما نفقده يعود، ولكن كل ما أحببناه بصدقٍ يبقى، لا في الطرقات التي رحل عنها، بل في الأرواح التي احتضنته.

ما زالَ صوتُكَ في ثنايا مَسمَعي

والشوقُ في صدري يُفتِّتُ أضلُعي

واللهِ إنَّ الشوقَ فاقَ تحمُّلي

يا شوقُ رِفقًا بالفؤادِ ألا تَعي

حاولتُ أن أُخفي هواكَ، وكلّما

أخفيتُهُ بالقلبِ فاضتْ أدمُعي

محدثتكم فَناء 🤍

12:52AM

26/7/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ❤️

Discussion about this video

User's avatar

Ready for more?